أبي بكر الكاشاني

147

بدائع الصنائع

النحر فثبت أن المراد من الآية الكريمة طواف الزيارة وبه نقول إنه ركن وإذا افتتح الطواف يأخذ عن يمينه مما يلي الباب فيطوف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول ويمشي على هينته في الأربعة الباقية والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف بالبيت سبعة أشواط وأما الرمل فالأصل فيه أن كل طواف بعده سعى فمن سننه الاضطباع والرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه وكل طواف ليس بعده سعى فلا رمل فيه وهذا قول عامة الصحابة رضى الله تعالى عنهم الا ما حكى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الرمل في الطواف ليس بسنة وجه قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمل وندب أصحابه إليه لاظهار الجلد للمشركين وابداء القوة لهم من أنفسهم فإنه روى أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وكفار قريش قد صفت عند دار الندوة ينظرون إليهم ويستضعفونهم ويقولون أوهنتهم حمى يثرب فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ورمل ثم قال رحم الله امرأ أبدى من نفسه جلدا وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة وذلك المعنى قد زال فلم يبق الرمل سنة لكنا نقول الرواية عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما لا تكاد تصح لأنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل بعد فتح مكة وروى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا وكذا أصحابه رضى الله تعالى عنهم بعده رملوا وكذا المسلمون إلى يومنا هذا فصار الرمل سنة متواترة فاما ان يقال إن أول الرمل كان لذلك السبب وهو اظهار الجلادة وابداء القوة للكفرة ثم زال ذلك السبب وبقيت سنة الرمل على الأصل المعهود ان بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم كالبيع والنكاح وغيرهما واما أن يقال لما رمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد زوال ذلك السبب صار الرمل سنة مبتدأة فنتبع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وإن كان لا نعقل معناه والى هذا أشار عمر رضى الله تعالى عنه حين رمل في الطواف وقال مالي أهز كتفي وليس ههنا أحد رأيته لكن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال لكن أفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمل من الحجر إلى الحجر وهذا قول عامة العلماء وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وطاوس رضى الله تعالى عنهم لا يرمل بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود وإنما يرمل من الجانب الآخر وجه قولهم إن الرمل في الأصل كان لاظهار الجلادة للمشركين والمشركون إنما كانوا يطلعون على المسلمين من ذلك الجانب فإذا صاروا إلى الركن اليماني لم يطلعوا عليهم لصيرورة البيت حائلا بينهم وبين المسلمين ولنا ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثا من الحجر إلى الحجر والجواب عن قولهم إن الرمل كان لاظهار القوة والجلادة ان الرمل الأول كان لذلك وقد زال وبقى حكمه أو صار الرمل بعد ذلك سنة مبتدأة لا لما شرع له الأول بل لمعنى آخر لا نعقله وأما الاضطباع فلما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمل مضطبعا بردائه وتفسير الاضطباع بالرداء هو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره ويبدى منكبه الأيمن ويغطى الأيسر سمى اضطباعا لما فيه من الضبع وهو العضد لما فيه من ابداء الضبعين وهما العضدان فان زوحم في الرمل وقف فإذا وجد فرجة رمل لأنه ممنوع من فعله الاعلى وجه السنة فيقف إلى أن يمكنه فعله على وجه السنة ويستلم الحجر في كل شوط يفتتح به ان استطاع من غير أن يؤذى أحدا لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بالحجر الأسود استلمه ولان كل شوط طواف على حدة فكان استلام الحجر فيه مسنونا كالشوط الأول وان لم يستطع استقبله وكبر وهلل وأما الركن اليماني فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة ولكنه قال إن استلمه فحسن وان تركه لم يضره في قول أبي حنيفة رحمه الله وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة وقال محمد رحمه الله يستلمه ولا يتركه وهذا يدل على أن استلامه سنة ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة وقال الشافعي يستلمه ويقبل يده وجه قول محمد ما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما وعن ابن عباس